حوار طريف بين وكالات الإعلان في تونس

حوار طريف بين وكالات الإعلان في تونس
هل يهدّد الإشهار بتقويض استعمال اللغة العربيّة الصافيّة النقيّة من تخاطبنا اليومي؟ هذا الهاجس يزداد خطراً أمام تعاظم دور وسائل الاتصال و تزايد وقعها الجماهيري، فعبارات مثل "هبال" و" موش نورمال" و"أبب شيء عجب" و غيرها أضحت تتصدر ومضاتنا الإذاعية و التلفزية و تتناقلها الألسن بكل براءة و كان اللغة العربيّة قاصرة عن أداء المعنى و تبليغ الرسالة.

الأجوبة عن هذه الأسئلة الملحّة تختلف لدى وكالات الإعلان التونسيّة و المختصين، فمنهم من يرى ضرورة الالتحام مع صميم العبارة الشعبيّة الدارجة واقتناص حرارتها للإبلاغ دون اكتراث بالنحو و الصرف و النقاوة, وآخرون يتمسكون بالتراث و الأصالة. و لعّل الجواب المفحم جاءنا عن طريق الحملة الاتصاليّة للبنك التونسيّ الكويتيّ بمناسبة تحويله إلى بنك تجاري شامل إذ حرص على استعمال لغة عربيّة أنيقة سواء في ومضاته الإذاعيّة أو في إعلاناته الصحفيّة و معلقاته الحائطيّة.

ويقول السيّد توفيق الحبيّب, الرئيس المدير العام لوكالة تي هاش كوم الّتي صاغت هذه الحملة, أنه يعتمد أساسا في منهجه على قناعات راسخة بأن لغة الضاد تزخر بالمفردات و المآثر و الأقوال و الأشعار القادرة على تبليغ أدّق المضامين ويضيف قائلا " لقد نبّهنا الأستاذ حامد الزغل الوزير الأسبق و الإعلامي المتميّز إلى مخاطر كتابة اللغة الدارجة و طغيانها بما ينهب ثقافتنا و يقطع أوصالها و حفّزنا إلى ضرورة النّهل من عربيّتنا و انتقاء الكلمات و المفردات و صياغتها بكل جماليّة في إعلانات نافذة إلى الأعماق".

ويضيف محدثنا قائلا׃"لقد أفضت الاختبارات الّتي أجريناها على الومضات باللّغة العربيّة إلى التحقق من استساغتها من قبل المستمعين و استحسانهم لها و تفاعلهم معها، فعندما ينطلق صوت المسرحي القدير فتحي العكّاري على راديو موزاييك في ومضة البنك التونسيّ الكويتيّ قائلاً:"الطموح هو ربيع القلب وغذاء الروح....الطموح هو الحياة !".تحنّ إلى عذوبة اللغة الرقراقة وتعزف عن الابتذال الممّل".

نفس السؤال حمّلناه إلى وكالات إعلان أخرى فأجابتنا إحدى الأخصائيّات بأن اللجوء إلى الدارجة له في الواقع عديد الأسباب منها بالخصوص الثّقافة الفرنكوفونيّة للعاملين في الوكالات ولدى المعلنين على حد السواء وعدم تضلّعهم في اللغة العربيّة و خوفهم من ارتكاب أخطاء في الصرف و النحو و قالت: "المهم أن تخاطب القوم بما يفهمون دون تفقه". أخصائي في سبر أراء المشاهدين و المستمعين أوضح لنا بأن الجمهور التونسيّ على محبّته للكلمة الذكيّة و التعبير الجديد في شكل "طلعة" يبقى و فيّا للغة الأصيلة باعتبارها أساس ثقافته و رمز هويته و قال أن تأثير الومضات التي تستعمل اللغة العربيّة الجميلة أقوى و أبلغ من تلك ذات العبارات الشعبية المستهجنة .

ويؤكد المشرفون على وكالة تي هاش كوم تمسّكهم بخيار اللغة العربيّة و تسخير إبداعهم للنهل من منابع الشعر و النثر و الاعتماد على الأوزان المحبّبة إلى النفوس و التفعيلات السهلة الحفظ و قالوا أن المحسنات البديعية و اللّسانيات و الصوتيات تمثل مخزونا حضاريّا ثريّا يسند بعمق و قوة الرسائل الاتصاليّة و يعمّق تأثيرها الإعلاني.

كما أنهم يؤمنون إيمانا راسخا بأن التونسي عاشق للأصالة و متبن لروح العروبة وهو بذلك يميل بطبعه لاستساغة كل ماهو معبّر عن هاته الروح لاسيّما الومضات الإشهاريّة التّي تستند على اللغة العربيّة كخيار أوحد لتبليغ الرسالة الإعلانية.

و إذا كانت الغاية تبرر الوسيلة و يلجأ البعض إلى السهل المتداول لتوسيع صدى دوائرهم الإشهارية محتجين بندرة الأوزان في اللغة العربيّة عليهم أن يتمعنوا أولا في دارجتنا التونسية الأصيلة التي يفعم قاموسها اللغوي بأعذب العبارات التي يمكنها تجسيد نص إعلاني دون اللجوء إلي العاميّة المتفرنسة "كأشرب إين" أو "موش نورمال ".